غزة تحت النار: المعركة الإعلامية تخفت مع تزايد الخسائر البشرية


هذا الخبر بعنوان "الشهيد الواحد… المعركة الإعلامية في قطاع غزة" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يزال القصف والدمار وصوت الرصاص يتردد في سماء قطاع غزة، ولم يغادر يوماً. وإن لم يكن هذا الإجرام المباشر هو ما يطال أهل غزة، فإنهم يُدفنون أحياء تحت ركام البيوت التي كانت تؤويهم. ففي السادس عشر من هذا الشهر، الأربعاء، انهار مبنى سكني كان قد أصابه الضرر جراء العدوان الإسرائيلي على القطاع. كان المبنى يأوي ثماني عائلات، يقارب عدد أفرادها المئة شخص، استُشهد منهم واحد وعشرون، وأُصيب خمسة وأربعون آخرون.
هذه الحادثة، وإن حظيت بتغطية إعلامية أوسع من نظيراتها خلال الأشهر الأخيرة، ليست بجديدة كلياً على أهل القطاع؛ ذلك أن “وقف إطلاق النار” أو “وقف الحرب” لم يكونا يوماً خياراً حقيقياً عند جيش الاحتلال. كل ما تغيّر هو غياب التغطية الإعلامية التي كانت حاضرة من قبل. فبينما اعتدنا على الرقم (100) حين الحديث عن الحصيلة اليومية للشهداء، بات الرقم (10) أقل وقعاً، لا يصلنا بذات الأثر ولا الصدمة. وفي الوقت الذي يشتعل فيه الإعلام الغربي لمقتل امرأة أولادها الثلاثة، أو في ذكرى الحادي عشر من سبتمبر، يكون الإعلام العربي مستغرقاً في نقل دوي صفارات الإنذار هنا وهناك، بدلاً من سرد قصة أحد الشهداء “العشرة”. وهذا ما يطرح سؤالاً عميقاً في فلسفة الخطاب الإعلامي العربي: لماذا لا يحظى الشهيد الواحد بذات الاهتمام الذي يحظى به مواطن من بلد غربي؟
التركيز الجمعي
يميل العقل العربي عموماً إلى التركيز في الأثر الواقع على الجماعة، بحكم الطبيعة الجمعية لثقافته. هذا ولو يحمل بعض المحاسن عند وصف مأساة أو الدفاع عن وطن وعرق، إلا أنها تلحق ظلماً بالغاً بقصة “الشهيد الواحد”، وتسهم في تهويل بعض الجرائم على أخرى. وأساس المهارات الإعلامية هي جعل الحدث الذي تتحدث عنه هو “العنوان الرئيس” في الصحف.
الرضى بالقليل
ومع ما شهده القطاع من إجرام متواصل منذ الثامن من أكتوبر عام 2023، وتكرار الصدمات الإعلامية على مدى هذه السنوات، تشكّل لدى العقلية العربية عموماً، والمؤسسات الإعلامية خاصة، إحساس عام بالوهن والتبلّد، أفضى إلى تقاعس عن إكمال الممارسة الإعلامية التي من واجبها أن تُدين، وتُغطي، وتُهوّل، وتُركز على بقية الإجرام الواقع، لا أن تكتفي بأقل الأضرار وتحسبه انتصاراً. منذ رفعنا شعار “وقف إطلاق النار”، ونحن في تراجع متزايد، وهروب متواصل من الواقع الحاصل في القطاع. فهل “فقد” الإعلامي العربي شغفه في خضم تلكم المآسي والأزمات؟ أم أن المعضلة الحقيقية تكمن في تراجع الحس الإنساني الذي يقدّر قيمة “الشهيد الواحد”؟
يصحو المواطن الغزّي على الموت محلقاً فوق رأسه بطائرة الأباتشي أو الإف-16. وحين تُلقي هذه الطائرات الحربية حمولتها من الموت على مدن غزة، فإنها تمحو بعض المباني، لكنها لا تمحو “الذاكرة”؛ تلك التي تبقى الرسالة الأساسية للإعلام في القضية الفلسطينية. فالمعركة الإعلامية، في جوهرها، معركة على الذاكرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة