الاحتلال بالوكالة: كيف تبني إسرائيل مليشيات عميلة في غزة؟


هذا الخبر بعنوان "الاحتلال بالوكالة.. لماذا يصنع الكيان مليشيات عميلة في غزة؟" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشف تحقيق لصحيفة «هآرتس» العبرية أن خمس مليشيات فلسطينية مسلحة في قطاع غزة تتلقى دعماً مالياً وعسكرياً من الاحتلال الإسرائيلي، وتعمل كأذرع عملياتية لجيش الاحتلال وجهاز الأمن العام «الشاباك». يستند التحقيق إلى شهادات جنود وضباط إسرائيليين، ومصادر فلسطينية، وبيانات أممية، وصور أقمار صناعية، ويسلط الضوء على تحول في استراتيجية الاحتلال لإدارة حربه على غزة، بالاعتماد على قوى محلية مسلحة لتنفيذ مهام لا يستطيع الجيش الإسرائيلي القيام بها مباشرة.
تشمل مهام هذه المليشيات، وفقاً لـ«هآرتس»، جمع المعلومات، وملاحقة عناصر المقاومة، وفرض أوامر الإخلاء، والسيطرة على مناطق محددة، بالإضافة إلى الاعتداء على السكان ونهب الممتلكات وإحراق المنازل. يتجاوز هذا المشروع مجرد استخدام مجموعات مسلحة ضد فصائل المقاومة، فهو في جوهره محاولة لبناء أدوات فلسطينية تخدم أهداف الاحتلال داخل القطاع.
لماذا تحتاج إسرائيل لمليشيات محلية؟
تكمن الإجابة في الفرق بين «احتلال الأرض» و«السيطرة عليها». فالجيش الإسرائيلي قد يتمكن من اقتحام منطقة وتدميرها، لكنه يواجه صعوبة في إدارة مجتمع فلسطيني معادٍ للاحتلال على المدى الطويل. هنا، تصبح المليشيات المحلية أداة مفيدة؛ فهي تعرف الجغرافيا والسكان والعائلات، وتستطيع العمل في بيئة يصعب على الجيش الإسرائيلي العمل فيها بنفس الفاعلية. كما أن استخدامها يخفف الأعباء البشرية والسياسية والأمنية عن الاحتلال، ويتيح له تنفيذ وظائف السيطرة من خلال وكلاء محليين، مما يمثل انتقالاً من «الاحتلال المباشر إلى الاحتلال بالوكالة».
يخفي تقديم هذه المليشيات كأداة لمواجهة حركة «حماس» هدفاً أوسع. فعندما تُستخدم هذه المجموعات لفرض الإخلاء، وجمع المعلومات، وملاحقة عناصر المقاومة، والتأثير في حركة السكان، فإنها تؤدي وظائف مرتبطة بإدارة القطاع أمنياً، وليس فقط بمحاربة فصيل فلسطيني. هذا يعني أن الكيان يحاول خلق مراكز نفوذ محلية يمكن استخدامها في اليوم التالي للحرب، لفرض واقع أمني جديد أو منع عودة السيطرة المركزية للمقاومة. وتكتسب مجموعة ياسر أبو شباب أهمية خاصة كنموذج بارز لهذا المشروع. لكن اعتماد هذه المجموعات على الحماية الإسرائيلية يكشف نقطة ضعفها الأساسية؛ فهي لا تستطيع فرض سيطرتها دون دعم الجيش الإسرائيلي.
رهان على التفكيك الداخلي ومخاطر
لا يخلو المشروع الإسرائيلي من مخاطر على أصحابه. فالقوة التي تحصل على السلاح والحماية من الاحتلال لا تحصل بالضرورة على الشرعية داخل مجتمعها. بل إن ارتباط هذه المليشيات بجيش الاحتلال يحولها إلى طرف في صراع داخلي، مما يخدم هدفاً إسرائيلياً آخر: نقل جزء من كلفة الحرب من الاحتلال إلى الفلسطينيين أنفسهم. يسعى الاحتلال إلى إنتاج قوى محلية تتولى جزءاً من مهمة مواجهة المقاومة، بما يسمح له بإدارة الصراع بأدوات أقل كلفة.
لا ينبغي التعامل مع مشروع المليشيات كونه تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل هو جزء من معركة أوسع على شكل غزة ومستقبلها. إذا كانت «إسرائيل» تخطط لمغادرة القطاع نهائياً، فلن يكون منطقياً أن تستثمر في بناء مجموعات مسلحة مرتبطة بجيشها وأجهزتها الأمنية. أما إذا كانت تريد الاحتفاظ بنفوذ أمني وسياسي طويل الأمد، فإن وجود وكلاء محليين يصبح أداة شديدة الأهمية.
المعنى الأعمق لما كشفته «هآرتس» هو أن «إسرائيل» لا تبحث فقط عن طريقة لهزيمة المقاومة، بل عن طريقة لإعادة تشكيل البيئة التي تعمل فيها المقاومة. لكن الرهان على هذه المليشيات يصطدم بحقيقة لا تستطيع «إسرائيل» تجاوزها بالسلاح والمال، وهي أن المقاومة في غزة ليست مجرد تشكيلات عسكرية يمكن استبدالها، بل هي نتاج لصراع ممتد ومرتبطة ببيئة شعبية تشكلت عبر عقود من المواجهة. صناعة وكلاء محليين لن تنهي المقاومة، بل تكشف حجم العجز عن فرض واقع جديد عليها بالقوة المباشرة.
مواجهة هذه المليشيات جزء من المعركة الأوسع مع الاحتلال، لا صراع فلسطيني داخلي منفصل عنه. فحين تتحرك مجموعات مسلحة تحت حماية وتمويل وتنسيق الجيش الإسرائيلي، فإنها تتحول عملياً إلى إحدى أدوات الاحتلال. إفشال مشروع «الاحتلال بالوكالة» وإسقاط رهانه على الوكلاء المحليين يبقى جزءاً من قدرة المقاومة على حماية بيئتها، ومنع «إسرائيل» من تحويل عجزها عن إخضاع غزة إلى مشروع لتفكيكها من الداخل.
سياسة
سياسة
سياسة
صحة