تطرف الإرهابيين يتجاوز الحدود.. هل حان وقت لتطرف الدولة في الردع؟


هذا الخبر بعنوان "تطرف الإرهابيين تجاوز كل الحدود .. فهل حان وقت تطرف الدولة في الردع ؟" نشر أولاً على موقع الوكيل الإخباري وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد السؤال في الأردن عن خطورة الفكر المتطرف أو حجم التهديد الذي يمثله على أمن الدولة والمجتمع، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ووجعاً: إلى متى سنبقى نواجه هذا التطرف بالوسائل التقليدية ذاتها، بينما يواصل أصحابه ارتكاب جرائمهم، تاركين خلفهم شهداء وأمهات ثكالى وأطفالاً أيتاماً وعائلات لن تعود حياتها كما كانت؟
جريمة الطعن التي شهدتها العاصمة عمّان اليوم الخميس، وراح ضحيتها شهيد الواجب العريف جواد علي السلايطة، لم تكن مجرد جريمة قتل عابرة، بل اعتداء على رجل أمن كان يؤدي واجبه في حماية الوطن. وقبلها بأيام، كانت جريمة كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك، حيث استُهدف مواطنون أثناء تشييع أحد موتاهم، فسقط تسعة شهداء للوطن في جريمة بشعة كشفت مجدداً مدى الوحشية التي يمكن أن يبلغها الفكر المتطرف. وقبل الكرك وعمّان، لم تكن ذاكرة الأردنيين قد نسيت تفجيرات فنادق عمّان عام 2005، ولا أحداث إربد والبقعة والركبان وقلعة الكرك عام 2016، ولا الجريمة الإرهابية في الفحيص وما تبعها من مواجهات في السلط عام 2018، ولا حادثة الطعن في جرش عام 2019، ولا استشهاد العميد عبد الرزاق الدلابيح عام 2022. هذه ليست مجرد حوادث نضعها في أرشيف الأخبار، بل محطات دامية تفرض علينا إعادة النظر في كيفية مواجهة العنف الإرهابي والتطرف الذي يغذيه.
وأقولها اليوم بكل وضوح: ربما أصبح الأردن بحاجة إلى دولة تتطرف في مواجهة التطرف ذاته! نعم، دولة تتطرف في الحزم، وتتطرف في الردع، وتتطرف في ملاحقة الإرهابيين ومحاسبتهم، وتذهب بالعقوبة إلى أقصى ما يجيزه القانون، دون تردد أو تهاون أو تساهل مع من ثبت قضائياً أنه تعمد إزهاق أرواح الأبرياء. فحين يصل التطرف إلى مرحلة استباحة دم رجل أمن في وضح النهار، أو إطلاق النار على مشيعين أمام كنيسة، فإن الحديث عن ردع استثنائي لا يصبح ترفاً فكرياً، بل ضرورة تستحق أن تُطرح بجدية على طاولة الدولة ومؤسساتها التشريعية والقضائية والأمنية.
لماذا لا تتطرف الدولة في العقاب؟ لماذا يكون التطرف حكراً على المجرمين، بينما يُطلب من الدولة دائماً أن تكتفي بالحدود المعتادة في مواجهتهم؟ ولماذا يستطيع صاحب الفكر المتطرف أن يخطط ويترصد ويختار ضحيته وينفذ جريمته بدم بارد، ثم يصبح النقاش حول العقوبة الأشد بحقه موضوعاً شائكاً، رغم أن القانون الأردني نفسه يجيز عقوبة الإعدام في جرائم محددة؟ لسنا هنا أمام خلاف سياسي، ولا اختلاف فكري مشروع، ولا جريمة يمكن التقليل من آثارها، بل أمام أفعال إرهابية تستهدف الحق في الحياة والأمن والسلم المجتمعي. وهنا تحديداً يجب أن يتغير مفهوم التعامل مع الإرهاب. فمن يخطط لقتل رجال الأمن، أو يستهدف الأبرياء بسبب معتقداتهم، أو يحمل السلاح لفرض أفكاره على المجتمع، لا ينبغي أن يتوقع من الدولة سوى أقصى درجات المحاسبة التي يقررها القضاء.
لقد نفذ الأردن في الحادي والعشرين من حزيران 2026 أحكام الإعدام بحق ستة مدانين في قضايا إرهابية وجنائية أفضت إلى استشهاد وإصابة عدد من رجال الأمن والعسكريين. وكانت تلك رسالة واضحة بأن عقوبة الإعدام ليست مجرد نص معطل في التشريعات. لكن ما نحتاج إليه اليوم أكبر من رسالة تصدر بعد كل جريمة، وأبعد من رد فعل مؤقت يعقب سقوط كل شهيد. نحتاج إلى سياسة وطنية ثابتة تجعل الردع الصارم والمحاسبة الحاسمة نهجاً مستمراً، لا إجراءات تتحرك تحت وطأة الصدمة والغضب الشعبي. ولماذا لا نناقش علنية تنفيذ أحكام الإعدام في الجرائم الإرهابية الأشد بشاعة؟ إن المطالبة ببحث هذا الخيار ليست مطالبة بإعدام مشتبه به في الشارع، ولا تفويضاً لأحد بأن ينتقم بنفسه، بل دعوة إلى نقاش تشريعي صريح حول طبيعة العقوبة وعلنيتها، بعد صدور أحكام قضائية قطعية واستكمال جميع الضمانات والإجراءات الدستورية. هناك دول تنفذ عقوبة الإعدام، ومن بينها الولايات المتحدة والسعودية، وإن اختلفت الأساليب والإجراءات والقيود المفروضة على العلنية. وإذا كان الهدف من العقوبة حماية المجتمع وردع الجريمة وتحقيق العدالة، فمن حق الأردنيين أن يناقشوا مدى كفاية منظومة العقوبات الحالية، وأن يطالبوا بأشد العقوبات في الجرائم التي يثبت ارتكابها بدافع إرهابي متعمد.
ومع ذلك، فإن علنية التنفيذ أو قسوة العقوبة ليستا ضمانة علمية بحد ذاتهما لمنع الإرهاب، ولا يجوز أن تتحول العدالة إلى مشهد دموي يستعير من الإرهابيين وسائل ترهيبهم. فتطرف الدولة الذي أدعو إليه ليس تطرفاً في الظلم، بل تطرف في تطبيق القانون، وليس انتقاماً خارج القضاء، بل أقصى درجات الحسم من خلاله.
حتى السجون قد تصبح ملاذاً للإرهابيين! وهنا لا بد من التوقف عند قضية بالغة الخطورة، ربما لا تحظى بالنقاش الكافي، وهي أن السجن الذي يفترض أن يكون عقوبة رادعة للإرهابي قد يتحول، في بعض الحالات، إلى ملاذ فكري له، أو بيئة يجد فيها من يشبهه في الأفكار والقناعات المتطرفة. فبعض هؤلاء لا ينظرون إلى السجن كما ينظر إليه المجرم العادي، ولا يرون فيه بالضرورة نهاية لطريقهم، بل قد يجدون خلف أسواره أشخاصاً يحملون الفكر ذاته، ويتبنون المعتقدات المتطرفة نفسها، ويتبادلون معهم التجارب والخبرات والأفكار. فكأنما دخل أحدهم إلى السجن ليلتقي رفاق الفكر ورفاق التطرف، لا ليبتعد عن البيئة التي دفعته إلى الجريمة! وقد يدخل أحدهم السجن وهو يحمل أفكاراً متشددة محدودة، ليجد أمامه من سبقه في هذا الطريق، ومن يمتلك خبرة أوسع في التنظيم والتجنيد والتحريض والتخطيط، فيخرج بعد سنوات أشد تطرفاً وأكثر خطورة مما كان عليه عند دخوله. وهنا تصبح الكارثة مضاعفة! فالدولة تكون قد عاقبت المتطرف على جريمته، لكنها قد تفاجأ، إن لم تتخذ التدابير اللازمة، بأنها سمحت له خلال فترة العقوبة بتعزيز قناعاته، وتوسيع شبكة علاقاته، وربما اكتساب أفكار أكثر خطورة. وهل يعقل أن يتحول السجن من مؤسسة إصلاح وتأهيل إلى جامعة يتخرج منها متطرفون أكثر تشدداً؟ وهل يعقل أن تكون سنوات العقوبة، بالنسبة إلى بعض أصحاب الفكر الإرهابي، فرصة للقاء من يعتبرونهم قدوة في التطرف، والاستماع إلى تجاربهم، وتبادل ما لديهم من أفكار وتحريض؟ إن خطورة هذه القضية تستدعي من الدولة أن تتطرف في إجراءات الوقاية والرقابة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وأن تضع ملف السجناء المدانين بالإرهاب تحت مراجعة دائمة، وفق تقييمات أمنية وفكرية فردية دقيقة. فليس المطلوب أن يُترك المتطرفون لتشكيل تجمعات مغلقة تعزز أفكارهم، ولا أن تتاح للمحرضين فرصة استقطاب سجناء آخرين أو التأثير عليهم، بل المطلوب منع تحول السجون إلى حواضن جديدة للتطرف. وعلى الدولة أن تتصدى بحزم لأي نشاط تنظيمي أو تجنيدي إرهابي خلف القضبان، وأن تعتمد سياسات مدروسة لتوزيع النزلاء بحسب مستوى الخطورة، وتمنع التواصل الإجرامي بينهم، وتخضع حالات التطرف العنيف لبرامج مراجعة وتأهيل جادة، مع الالتزام بحقوق النزلاء والضمانات القانونية. كما يجب أن تكون هناك متابعة حقيقية لمدى تغير قناعات المدانين بالعنف الإرهابي، لا أن يتحول الإفراج عن بعضهم إلى مجرد إجراء إداري ينتهي عند بوابة السجن، دون تقييم للمخاطر أو خطط قانونية لإعادة الإدماج والمتابعة. فمن غير المقبول أن يدخل صاحب الفكر المتطرف السجن عقاباً على جريمة، ثم يخرج منه وقد تضاعفت خطورته على المجتمع! وهذا تحديداً أحد الملفات التي تستحق الحسم، لأن مواجهة الإرهاب لا تعني فقط منع المجرم من ارتكاب الجريمة أثناء سجنه، بل تعني أيضاً منع السجن نفسه من أن يصبح مكاناً لإنتاج المزيد من المجرمين.
التطرف في حماية الدولة.. وليس في ظلم الناس والحقيقة أن المعركة لا تنتهي عند تنفيذ حكم الإعدام، ولا عند إغلاق أبواب السجن على المدانين. فالإرهابي الذي يحمل سكيناً أو بندقية لم يولد بالضرورة وهو يحمل الرغبة في القتل، بل ربما مر بمراحل طويلة من التشدد والتحريض وغسل العقول، إلى أن وصل إلى قناعة مريضة تبرر له استباحة أرواح الآخرين. ولهذا، فإن الدولة مطالبة بأن تتطرف كذلك في اجتثاث البيئة التي ينمو فيها الإرهاب. أن تتطرف في محاربة التحريض على القتل والكراهية، وفي تفكيك شبكات التجنيد والتطرف، وفي مراقبة مصادر التمويل والتسليح، وفي كشف الدعوات التي تحول الاختلاف الديني أو الفكري إلى مبرر لسفك الدماء. أن تكون شديدة الحزم مع كل من يثبت تورطه في التحريض الإجرامي أو التخطيط الإرهابي أو تمويل العمليات وتنفيذها، وألا تترك ثغرة تسمح بعودة من يشكل خطراً مثبتاً إلى ممارسة نشاطه الإجرامي. وفي المقابل، يجب ألا يتحول مجرد الاختلاف في الرأي أو المعتقد إلى تهمة إرهاب؛ لأن الخلط بين الفكر المخالف والعمل الإرهابي يضعف العدالة، ويضر بالمعركة الحقيقية ضد العنف. نريد دولة يخشاها الإرهابي قبل أن يفكر في رفع سكينه، لا دولة يخشاها المواطن بسبب اتساع سلطاتها دون ضوابط. نريد دولة تجعل من الاعتداء على رجال الأمن جريمة تواجه بأقصى درجات الجدية القضائية، ومن قتل المدنيين عمداً في العمليات الإرهابية فعلاً لا يمر دون عقاب يتناسب مع فداحته. نريد دولة تدرك أن التساهل مع التحريض الإرهابي اليوم قد يتحول إلى جنازة غداً، وأن التأخر في اكتشاف الخلايا الخطرة قد يكلف الوطن أرواحاً لا تعوض. وإذا كان الإرهاب قد بلغ من التطرف حد استهداف مواطنين في بيت عبادة ورجل أمن في موقع عمله، فإن الدولة مطالبة بأن تبلغ في الردع أقصى درجات الحزم التي يسمح بها القانون. لقد سمع الأردنيون كثيراً من عبارات الإدانة والاستنكار، وهي مواقف ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لمنع الجريمة المقبلة. فالشهيد لا تعيده بيانات الشجب، ولا تداوي عائلته الكلمات، ولا يستعيد المجتمع شعوره بالأمان ما لم يرَ منظومة عدالة قادرة على محاسبة الجناة وحماية الأرواح ومنع تكرار الجرائم. وليس المطلوب إلغاء ضمانات المحاكمة أو الاستعجال في إدانة أحد قبل ثبوت مسؤوليته؛ فالأحكام التي تمس حياة الإنسان لا تحتمل الخطأ. المطلوب هو عدالة حازمة، ناجزة، مستقلة، لا تسمح بالإفلات من العقاب، ولا تتساهل مع الجريمة الإرهابية. وأمام هذه الجرائم، يجب أن نسأل أنفسنا بجدية: هل تكفي الإجراءات الحالية؟ هل نحتاج إلى مراجعة تشريعات مكافحة الإرهاب والعقوبات المقررة؟ وهل تمتلك الدولة من الأدوات الوقائية والرقابية ما يمنع انتقال أصحاب الأفكار الإجرامية من التحريض إلى التنفيذ؟ وهل نضمن أن مراكز الإصلاح لا تتحول إلى بيئة لتكريس التطرف وتجنيد المزيد من أصحابه؟ لم يعد مقبولاً أن يسبقنا الإرهابي إلى اتخاذ القرار، ثم نبدأ نحن في البحث عن كيفية الرد. الأصل أن تسبقه الدولة، وأن تلاحقه قبل أن ينفذ، وأن تحاسبه بأقصى ما يسمح به القانون إذا ارتكب جريمته، وأن تمنع استمراره في النشاط الإرهابي حتى وهو خلف القضبان. وأخيراً، حين أطالب بدولة تتطرف في العقاب، فإنني أطالب بدولة تتطرف في حماية أرواح الأردنيين والمقيمين على أرضها، وتتطرف في الدفاع عن هيبة القانون، وتتطرف في إحقاق العدالة لضحايا الإرهاب وأسرهم. لأن الدولة القوية ليست تلك التي تقلد المجرم في وحشيته، بل تلك التي تجعله عاجزاً عن فرض وحشيته على المجتمع، وتثبت أن يد القانون أقوى من سكينه، وأن العدالة أشد حضوراً من خطابه المتطرف. نعم.. نحتاج إلى دولة تتطرف في الردع والحزم والمحاسبة. دولة لا تتطرف على مواطنيها، بل تتطرف في حمايتهم. فالإرهاب الذي لا يعرف حدوداً في القتل، يجب أن يواجه دولة لا تعرف التهاون في إنفاذ القانون، ولا تسمح للسجون بأن تصبح ملاذاً لتبادل التطرف وإعادة إنتاجه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة