الأردن
اقتصاد

عمان أولاً: هل المترو هو الحل أم أن هناك ما هو أهم؟

الوكيل الإخباري٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٣٨ م0 مشاهدة
عمان أولاً: هل المترو هو الحل أم أن هناك ما هو أهم؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عمّان أولا… قبل أن نحفر تحتها" نشر أولاً على موقع الوكيل الإخباري وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد لا تكون المشكلة الأساسية في حاجة العاصمة عمان إلى مترو، بل في ضرورة فهم أسباب اختناقها وإيجاد حلول فعالة تعيد إليها حيويتها دون أن تشكل عبئاً مستقبلياً. فالمدينة التي تضيع فيها أوقات السكان في الازدحام المروري لا تحتمل المزيد من الانتظار، لكنها أيضاً لا تحتمل قرارات متسرعة لا تستند إلى معرفة كافية. تقف عمان أمام مفترق طرق بين الحاجة الملحة للتحرك ومسؤولية الاختيار، مما يطرح سؤالاً يتجاوز مجرد وسائل النقل إلى جوهر إدارة المال العام: كيف نحقق أقصى استفادة من موارد محدودة في ظل تعدد الحاجات وتزاحم الأولويات الوطنية؟

تشير دراسة لمنتدى الاستراتيجيات الأردني إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الازدحام المروري في العاصمة تقدر بنحو مليار ونصف المليار دينار سنوياً، نتيجة للتأخير وهدر الوقود. هذا الرقم، رغم كونه تقديراً اقتصادياً، يكشف عن حجم المشكلة وتكاليف استمرارها. فالوقت الضائع في الطريق ليس مجرد دقائق، بل هو تراجع في الإنتاجية، واستهلاك للوقود، وتراكم للأعباء اليومية على الأفراد والاقتصاد.

الأرقام وحدها لا تختار الحلول، بل تكشف حجم المشكلة. يبدأ العلاج بتشخيص الأسباب: أين تتشكل الاختناقات؟ وما الذي يزيدها سوءاً؟ هل تكمن المشكلة في تصميم الطرق والتقاطعات، أم في توقيت الدوامات، أم في تركز المؤسسات والوظائف، أم في الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، أم في ضعف الربط بين وسائل النقل العام؟

بعض الاختناقات قد تُعالج بتدخلات هندسية وتنظيمية أقل تكلفة وأسرع أثراً، مثل تحسين التقاطعات، وإدارة الإشارات المرورية، وتنظيم الوقوف والتحميل والتنزيل، وتعزيز الحافلات المغذية للباص السريع، ومراجعة أوقات الدوام حيث تسمح طبيعة العمل. هذه الحلول لا ينبغي أن تبقى مجرد أمنيات، بل يجب البدء بتنفيذ ما يثبت جدواه وقياس أثره على زمن الرحلات وانسيابية الحركة، ومقارنة النتائج بالكلفة. فليس من الحكمة انتظار سنوات لتحقيق تحسن يمكن إنجازه في أشهر، ولا إنفاق مبالغ ضخمة على مشروع قبل فهم مساهمته الدقيقة في الحلول القائمة.

معالجة الممكن اليوم لا تلغي طموح الغد، بل تمنح التخطيط الاستراتيجي وقتاً أفضل وبيانات أدق، وفرصة لتوجيه الاستثمار حيث تكون الحاجة أكبر. ولكن، هل تسمح طبيعة عمان الجغرافية بإنشاء مترو؟ عمان مدينة التلال والأودية، ذات مناسيب متفاوتة وطبقات جيولوجية متغيرة، وتضم صخوراً ذات خصائص مختلفة، وقد تتخللها شقوق أو مناطق تتطلب تدعيماً خاصاً. كما تفرض المياه الجوفية وشبكات الخدمات والمباني القائمة اعتبارات إضافية على اختيار المسارات وأعمال الحفر.

صعوبة الأرض لا تعني استحالة الإنشاء، وقدرة الحفر التقنية لا تعني أنه الخيار الأفضل. تُنفذ الأنفاق في بيئات معقدة، لكن نجاحها يتوقف على فهم ظروف الموقع، واختيار التقنية المناسبة، وضبط المخاطر والكلفة. لذا، لا يكفي وصف جيولوجية عمان بصورة عامة، ولا يصح إصدار حكم على المدينة كلها قبل تحديد المسارات المقترحة. المطلوب دراسات جيولوجية وجيوتقنية وهيدروجيولوجية تفصيلية لكل مسار، تكشف طبيعة الطبقات والتشققات والمياه، وتقيم مخاطر الهبوط وتأثير الحفر على المباني والخدمات، وتقدم تقديرات واقعية لكلفة التنفيذ ومخاطره.

عمان ليست مدينة يستحيل الحفر تحتها، لكنها ليست أرضاً تمنح أي مشروع ضمانات نجاح لمجرد إمكانية تنفيذه. لا ينبغي أن ينحصر النقاش في كلفة الكيلومتر الواحد، حتى لو بلغت تقديرات المترو نحو 120 مليون دولار. هذا الرقم وحده لا يثبت جدوى المشروع أو عدمها. فالحكم يحتاج إلى معرفة عدد الركاب المتوقع، والوقت الذي سيوفر، وقدرته على تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وكلفة تشغيله وصيانته، والمنفعة الاقتصادية والاجتماعية مقابل الأموال المستثمرة. قد يكون المترو مناسباً لمحور كثيف الطلب، بينما يكون القطار الخفيف أنسب لمحور آخر، وتطوير الباص السريع وشبكاته أكثر جدوى في مناطق مختلفة. الحكمة ليست في فرض وسيلة واحدة، بل في بناء منظومة نقل متكاملة تتناسب مع طبيعة المناطق وحجم الطلب، وتوفر بديلاً حقيقياً عن السيارة الخاصة.

القاعدة التي يجب أن تحكم القرار، في مشروع المترو وغيره من الاستثمارات الحكومية، هي:

شارك الخبر: