الأردن
سياسة

غزة ترفض محاولات إسرائيل لصناعة "وكلاء" محليين: معضلة الشرعية والاحتواء

السبيل١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٤ ص1 مشاهدة
غزة ترفض محاولات إسرائيل لصناعة "وكلاء" محليين: معضلة الشرعية والاحتواء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "غزة ترفض «هندسة الوكلاء» الإسرائيلية" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز محاولات الاحتلال الإسرائيلي لصناعة مليشيات "فلسطينية" مسلحة في قطاع غزة مجرد تكتيك عسكري مؤقت لمواجهة فصائل المقاومة، بل تمثل جزءًا من مسعى أوسع لإعادة تشكيل المشهد الداخلي في القطاع. يهدف هذا المسعى إلى إنتاج وكلاء محليين يتولون أدوارًا أمنية وسياسية تخدم أهداف الاحتلال. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الاحتلال لا يكمن في قدرته على تسليح مجموعات فلسطينية أو تمويلها، بل في قدرته على منحها شرعية لا يملكها أصلاً.

ويكشف تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية عن هذه المعضلة بوضوح، حيث حذّر الباحث الإسرائيلي أفنير بارنيع، وهو ضابط سابق رفيع في جهاز الأمن العام «الشاباك»، من أن الميليشيات التي تدعمها إسرائيل في غزة قد تتحول من أداة عملياتية إلى عبء أمني وسياسي وقانوني. ويستحضر بارنيع في تحذيره تجربة «روابط القرى» التي أنشأها الاحتلال في الضفة الغربية أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وبحسب التقرير، تحصل مجموعات «فلسطينية» مناهضة للمقاومة على أسلحة وذخائر ومعلومات استخبارية ومساعدات لوجستية ورواتب، فضلًا عن علاج جرحاها في مستشفيات إسرائيلية. وتتحرك هذه المجموعات في مناطق تخضع لسيطرة جيش الاحتلال أو بمحاذاة «الخط الأصفر». وتكمن المفارقة الأساسية في أن هذه الجماعات، كلما ازداد اعتمادها على الاحتلال، ازدادت صعوبة تقديمها بوصفها قوة فلسطينية مستقلة يمكن أن تحظى بقبول السكان. فالاحتلال يستطيع أن يصنع مجموعة مسلحة، لكنه لا يستطيع بالوسائل نفسها أن يصنع لها حاضنة شعبية.

كما يستطيع الاحتلال أن يوفر لها السلاح والمال والمعلومات والحماية، لكنه لا يستطيع أن يمنحها شرعية سياسية واجتماعية مستدامة، خصوصًا إذا ارتبط وجودها في وعي الفلسطينيين مباشرة بالقوة التي تحتل أرضهم. وهذا ما تكشفه المقارنة مع «روابط القرى»، حيث حاول الاحتلال آنذاك بناء شبكة من القوى المحلية لتكون بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، ومنحها الموارد والنفوذ والحماية، لكنها انتهت إلى فقدان تأثيرها الشعبي وتوقفت عن العمل عام 1984.

لذلك، فإن ما يجري في غزة لا يتعلق فقط بمواجهة بين المقاومة ومجموعات مسلحة محدودة، بل بمحاولة هندسة سياسية للمجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال. والهدف الأبعد هو خلق واقع تكون فيه إدارة القطاع ممكنة عبر قوى محلية مرتبطة بمصالح الاحتلال، بدل أن تبقى المقاومة مركز الثقل السياسي والأمني. ومع ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن هذا النوع من الهندسة يواجه معضلة جوهرية: فالوكيل يحتاج إلى الاحتلال كي يستمر، والاحتلال يحتاج إليه كي يؤدي وظيفته، لكن هذه العلاقة نفسها تمنع الوكيل من اكتساب الاستقلال والشرعية.

لهذا تبدو المخاوف التي عبّر عنها الباحث الإسرائيلي أبعد من مجرد القلق على مستقبل مجموعات مسلحة. إنها اعتراف ضمني بحدود القوة الإسرائيلية نفسها، فالاحتلال قد يستطيع فرض ترتيبات بالقوة، لكنه لا يستطيع ضمان قبول الفلسطينيين بها. ومع تراجع الوجود العسكري الإسرائيلي في أي تسوية مقبلة، ستظهر المعضلة بصورة أكثر وضوحًا: من يحمي هذه الجماعات؟ ومن يضمن استمرار تمويلها؟ ومن يمنحها غطاءً سياسيًا؟ والأهم، كيف ستواجه مجتمعًا فلسطينيًا ينظر إلى نشأتها بوصفها جزءًا من مشروع الاحتلال؟

في النهاية، لا يبدو أن الاحتلال يواجه في غزة مشكلة عسكرية فحسب، بل يواجه أيضًا فشلاً في صناعة البديل. فالمقاومة لا تُهزم بمجرد إنشاء مجموعات مسلحة تناصبها العداء، كما أن المجتمع لا يُعاد تشكيله بقرار عسكري. وإذا كان الاحتلال قد استطاع أن يصنع وكلاء بالسلاح والمال، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل يستطيع أن يصنع لهم شرعية بعد أن تنتهي الحاجة إليهم؟

شارك الخبر: