مليون دينار: هل هي نعمة أم ابتلاء؟ تأملات في قيمة المال وتأثيره على النفس والدين


هذا الخبر بعنوان "ماذا لو ملكتُ مليون دينار؟" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ماذا لو امتلكت مليون دينار؟ قد يبدو هذا السؤال بسيطًا للوهلة الأولى، فمن منا لا يحب المال ويتمنى سعة الرزق؟ وقد وصف الله تعالى المال في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. فالمال محبوب بطبيعته، فهو وسيلة لقضاء الحاجات، وبناء البيوت، وتيسير شؤون الحياة. ومع ذلك، ورغم منافعه الكثيرة، كان المال عبر التاريخ سببًا في الكثير من الخصومات والعداوات. لقد سُفك من أجله الدماء، وقُطعت بسببه الأرحام، وأفسد الطمع الكثيرين، فمارسوا الغش، أو الاحتكار، أو أكلوا أموال الناس بالباطل، أو طفّفوا الميزان.
عند التأمل في أحوال البشر، نجد أن الغالبية فقراء، وقليلون هم من بسط الله لهم في المال. ولعل في هذا التفاوت حكمة لا يدركها الكثيرون. فليس كل إنسان يصلح له الغنى، كما أن الفقر ليس بالضرورة شرًا على كل إنسان. فقد يتبدل حال الفقير الذي يتمنى المال، وينتقل من عبادة الله إلى عبادة المال، ومن التذلل لله إلى التعلق بالدنيا. وهذا أمر نشاهده في بعض الأفراد، بل وفي بعض الدول؛ فإذا أوسع الله عليهم بعد ضيق، وأغناهم بعد فقر، انشغلوا بما أُعطوا عن الذي أعطاهم. وترك بعضهم المساجد، وانصرف إلى اللهو والملذات، ونسي أيام الضعف والحاجة. هنا تتحول النعمة إلى ابتلاء، ويصبح الغنى اختبارًا كما كان الفقر اختبارًا.
يُذكرنا هذا بحديث النبي ﷺ عن الأبرص والأقرع والأعمى، الذين ابتلاهم الله ثم أنعم عليهم. فجحد اثنان منهم نعمة الله، واعترف الثالث بفضل الله عليه، فكان اعترافه سببًا في نجاته، وكان جحود الآخرين سببًا في سخط الله عليهم. ففي حالة الضعف والمرض والفقر، يلجأ الإنسان كثيرًا إلى الله ويدعوه ويرجوه. فإذا انكشفت عنه الكربة، واتسع عليه الرزق، ونال ما كان يتمنى، قد ينسى أحيانًا ماضيه، ويغفل عن المنعم سبحانه، وكأن النعمة جاءت إليه من غير فضل من الله.
وهذا هو شأن قارون؛ فقد آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة. فلما سُئل عن سر هذا الغنى، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾. فقد نسب ما أوتيه إلى علمه وقدرته وكفاءته، ونسي أن عقله الذي يفكر به، وصحته التي يعمل بها، وقدرته التي يسعى بها، والفرص التي أُتيحت له، كلها من فضل الله وعطائه. هكذا يفعل الغنى أحيانًا ببعض النفوس؛ يرفعها المال في أعين أصحابها حتى ينسوا مَن رفعهم، ويشعرون بالاستغناء حتى ينسوا مَن أغناهم. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
وأذكر في هذا المقام قصةً طريفةً تحمل في طياتها معنى عميقًا: زرت صديقًا عزيزًا عليّ، وكان فقير الحال، فقال لي ذات يوم كلامًا ما زلت أذكره، وأقسم لي قائلًا: «والله، لو أصبحتُ غنيًّا، فربما تركتُ الصلاة والمسجد، ولكن الله اختار لي الفقر؛ لأنه يعلم نفسي ونفسيتي، فاختار لي الفقر حتى أتذلل له، وأدعوه دائمًا، وأرجوه أن يستر علينا». كانت كلماته تحمل من الحكمة أكثر مما تحمل من الشكوى؛ فهو لم يكن يدعو إلى الفقر، ولم يكن يرى أن الفقر غاية، وإنما كان يرى أن الله سبحانه وتعالى قد يختار لعبده من الأحوال ما يكون أصلح لقلبه ودينه.
ويبقى السؤال الذي بدأتُ به: ماذا لو ملكتُ مليون دينار؟ لعل الجواب ليس بالبساطة التي نظنها. فالإنسان بطبعه لا يقف عند حدٍّ من المال؛ فإذا ملك المليون، تطلع إلى المليونين، وإذا بلغ المليونين، سعى إلى المزيد، حتى يصبح جمع المال غايةً في ذاته. وقد قال النبي ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب». وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يظن الإنسان أن المليون دينار ستمنحه الأمان، فإذا امتلكها أصبح أكثر خوفًا عليها، وأكثر حرصًا على زيادتها، وربما بلغ به التعلق بها أن يصبح شديدًا على نفسه وأهله، يحسب ما ينفقه أكثر مما يحسب ما يكسبه. فالمال، مهما كثر، لا نهاية له في عين من تعلّق به.
ولست أدعو إلى الفقر، ولا أنكر فضل الغنى؛ فالغنى نعمة إذا أُحسن استعماله، والمال في يد الصالح وسيلةٌ إلى الخير، وقد يكون به إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وصلة الرحم، وبناء المساجد، ودعم العلم، وتفريج الكروب. ولكنني أدعو الإنسان إلى أن يأخذ بأسباب الرزق، ويسعى إلى الأفضل، ويطلب الحلال، ثم يرضى بما قسم الله له. فليست القضية أن تكون غنيًّا أو فقيرًا، وإنما القضية: ماذا فعل بك الغنى؟ وماذا فعل بك الفقر؟ فربُّ مليون دينارٍ كان سببًا في هلاك صاحبه، وربُّ فقرٍ كان سببًا في قرب صاحبه من ربه. ومن الناس من لو أغناه الله لأفسده الغنى، ومنهم من لو أفقره لأفسده الفقر، والله سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح لعباده، وأرحم بهم من أنفسهم. ولهذا، فليست العبرة بكثرة ما في اليد، وإنما بما في القلب. قد يملك الإنسان الملايين وقلبه فقير، وقد لا يملك إلا القليل وقلبه غني بالله. إن أعطاك الله فاشكر، وإن منعك فاصبر، وإن وسّع عليك فلا تطغَ، وإن ضيّق عليك فلا تيأس؛ فربما كان المنع عين العطاء، وربما كان التأخير عين الحكمة، وربما كان ما تراه نقصًا هو في الحقيقة حمايةٌ لك من أمرٍ لا تعلمه. فلنأخذ بأسباب الرزق، ولنطلب الزيادة من فضل الله، ولكن لنحذر أن تتحول النعمة إلى نقمة، وأن يصبح المال سيدًا ونحن عبيدًا له. فالخيرة فيما اختاره الله، وليس كل ما نتمناه خيرًا لنا، وليس كل ما نُحرم منه شرًّا علينا. فاللهم ارزقنا ما فيه الخير لنا، ولا تجعل ما تعطينا سببًا لبعدنا عنك، واجعل نعمك علينا عونًا على طاعتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واحفظ قلوبنا من الطغيان، وألهمنا شكر نعمك، والرضا بقضائك، وحسن عبادتك.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات