من التلقين إلى التفكير الناقد: رحلة المناهج التعليمية بين الواقع والطموح


هذا الخبر بعنوان "المناهج بين التلقين والتفكير والناقد" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أيام الدراسة الجامعية، كان لأحد الأساتذة في قسم العلوم السياسية مقولة شهيرة عند الامتحانات: “لا يهمني مقدار ما تكتب، بل يهمني الفكرة الصحيحة لو كانت مختصرة، فلا تكثروا من الكتابة والشرح”. لكن النصيحة التي كنت أسديها للطلاب الجدد عند التخرج كانت معاكسة تمامًا: “إياكم أن تصدقوه!”. فقد اكتشفت أن الدكتور لم يكن يقرأ أوراق الامتحانات بالكامل، خاصة مع كثرة عدد الطلبة وسوء خط البعض، مما جعله يعتمد على تقدير كمية الورق المكتوب. كان منطقه يقول: “من غير المعقول أن يكتب كل هذا ولم يأتِ على الفكرة الصحيحة”، بينما كان يرى في قلة الكتابة دليلاً على عدم الفهم. هذا الوضع يشبه إلى حد كبير سياسة التعليم في البلاد منذ أكثر من عقد، والتي تهدف إلى تعليم الطالب منهجية التفكير الناقد والتحليل بدلاً من مجرد الحفظ والتلقين. ومع ذلك، لا يزال تقييم الطلبة، خاصة في امتحان الثانوية العامة، يعتمد على الحفظ حتى في المواد العلمية، حيث أن من لا يحفظ جيدًا لا يحصل على علامة جيدة، ومن لا يحفظ بإتقان لا يحصل على علامة عالية. هذا هو الواقع الحالي رغم الثورة المزعومة في التعليم.
لقد تطورت المناهج على يد المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، ووصفته السحرية هي “التحول التدريجي من أسلوب التلقين وحفظ المعلومات إلى فلسفة التفكير الناقد، التحليل، وحل المشكلات”. انعكس هذا التطور بوضوح على الكتب المدرسية، لكن هل انعكس على واقع العملية التربوية ومخرجات التعليم؟ من تجربتي الشخصية، يتعامل المعلمون والطلبة مع هذا التطوير على أنه مجرد حشو، وهي نفس التهمة التي وجهت للكتب المدرسية السابقة. فلا يوجد اهتمام بمادة الاستماع، ويتم تجاوزها، كما لا يوجد اهتمام بمقدمات الدروس في المواد العلمية (مثل مشروع الوحدة في الرياضيات، والتجارب الاستهلالية في الكيمياء والفيزياء). وندرة حصص المختبرات التي لا تزال بلا قيمة للطالب والمعلم وإدارة المدرسة. لا يزال الطلاب يهتمون فقط بما سيأتي في الامتحان.
خلال تحضيري لهذا المقال، وقعت على تقرير لصحيفة الغد يعود لعام 2015 يتناول الجدل حول تطوير المناهج آنذاك. ركز التقرير على نقطتين: ضرورة الاهتمام بفلسفة التفكير الناقد والابتعاد عن التلقين، وأثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في المناهج. أحدهم رأى “هيمنة التعاليم الدينية على المناهج وحصر التعامل مع المواد والفهم من منطلق ديني”. وذكرت معلمة أن المناهج الحالية تشجع على الفكر الداعشي وأن أغلب المواد المكتوبة للحفظ هي آيات قرآنية. واستشهد التقرير بدراسة للدكتور ذوقان عبيدات حول “الداعشية في المناهج والكتب المدرسية” والتي رصدت الآيات والأحاديث التي تعزز الفكر الديني. لا أقلل من أهمية تطوير المناهج ومواكبتها للعصر، ولا من أهمية بناء جيل قادر على التفكير وحل المشكلات، لكن يبدو أننا نسير في اتجاه آخر غير الذي خططنا له.
المفارقة أن الكثير ممن يهاجمون فلسفة التلقين ويدافعون عن فلسفة النقد والتفكير هم من تلقوا تعليمهم في وقت كانت فيه فلسفة التعليم تقوم على التلقين والحفظ. فكيف يقيمون أنفسهم؟ إن كان تقييمهم لأنفسهم ممتازًا، فهذا يعني أن تلك الفلسفة آتت أكلها. وإن كان تقييمهم سيئًا، فهم ليسوا جديرين بوضع خطط للتعليم. أما إن كان جوابهم أن مستواهم كان سيئًا بعد التوجيهي لكنهم تعلموا وتثقفوا في المراحل العليا، خصوصًا في الخارج، فهذا يعني أن النظام لم يحجر على أحد أن يترقى في مراتب العلم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة