إيران والحوثيون: هل تتحكم طهران بورقة مضيقي هرمز وباب المندب لتهديد التجارة العالمية؟


هذا الخبر بعنوان "هرمز للطاقة.. والمندب للتجارة: هل تملك إيران مفتاح خنق المنطقة؟" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد معركة الممرات البحرية في المنطقة مجرد صراع على مضيق هنا أو طريق ملاحي هناك. الأخطر أن تتشكل للمرة الأولى معادلة مترابطة: هرمز للطاقة، والمندب للتجارة، والحوثي كقوة قادرة على تهديد الحلقة الثانية من هذه السلسلة. وهنا تحديداً تكمن خطورة التحولات الجارية في اليمن، ولا سيما غرب تعز، حيث قد تبدو المعركة للوهلة الأولى جزءاً من الحرب اليمنية الداخلية، بينما يمكن أن تحمل في خلفيتها قيمة استراتيجية تتجاوز حدود المحافظة والجغرافيا اليمنية.
الخطر ليس الإغلاق.. بل احتمال الإغلاق
إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب معاً حتى تحقق مكاسب استراتيجية. يكفي أن تجعل إمكانية تعطيلهما قائمة ومكلفة. هرمز يمسك بشريان الطاقة العالمي، فيما يمثل باب المندب أحد أهم الممرات التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. فإذا أصبح الضغط على الأول متزامناً مع تهديد الثاني، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بسعر النفط وحده، بل بالتأمين والشحن وسلاسل الإمداد ووقت الرحلات وكلفة التجارة العالمية. وهذه نقطة أكثر أهمية من سؤال: «هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟». السؤال الأخطر هو: هل تستطيع أن تجعل العالم يتصرف وكأنه قد يُغلق؟
الحوثي.. ورقة المندب
من هنا تكتسب قدرات الحوثيين أهمية تتجاوز الحرب على الحكومة اليمنية. فالحوثي لا يحتاج إلى السيطرة على باب المندب كي يصبح مؤثراً فيه؛ يكفي أن يمتلك القدرة على تهديد السفن أو الساحل أو خطوط الملاحة. وهذا ما يجعل أي تمدد حوثي باتجاه الساحل الغربي ذا دلالة مختلفة. فإذا كان غرب تعز يوفر مواقع ومحاور أقرب إلى البحر، فإن المعركة تصبح مرتبطة بسؤال استراتيجي: من يملك القدرة على الاقتراب من الطريق المؤدي إلى المندب، ومن يستطيع تعطيله عند الحاجة؟ وهنا ينبغي الحذر من القفز إلى استنتاج أن كل عملية حوثية تصدر مباشرة عن قرار إيراني. لكن من الصعب تجاهل القيمة الاستراتيجية التي يمثلها وجود قوة حليفة لطهران على الضفة اليمنية من هذا الممر الحيوي.
السعودية بين نار التفاهم ونار التصعيد
السعودية هي الأكثر حساسية تجاه هذه المعادلة، لكنها ليست أسيرة باب المندب لنقل نفطها؛ فلديها بدائل ومسارات أخرى لتصدير الخام. غير أن المشكلة أوسع من النفط السعودي نفسه. الرياض تعرف من تجربتها السابقة أن الحوثيين قادرون على استهداف منشآت ومصالح اقتصادية وتهديد الملاحة، بما يرفع كلفة التأمين والشحن ويضع الاقتصاد أمام مخاطر إضافية. لذلك تجد السعودية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: التفاهم مع الحوثي قد يحد من الخطر، لكنه لا يضمن إنهاء مشروعه؛ والتصعيد العسكري قد يردع الخطر، لكنه قد يعيد السعودية إلى حرب طويلة لا تريدها. والأخطر أن أي تدهور في الساحل اليمني قد يجبر الرياض على إعادة تقييم حساباتها، ليس دفاعاً عن الحكومة اليمنية فقط، بل دفاعاً عن أمنها الاقتصادي والبحري.
الإمارات.. حسابات الساحل لا تشبه حسابات الرياض
أما الإمارات، فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فالساحل والموانئ وشبكة النفوذ المحلي والممرات البحرية تمثل عناصر أساسية في حساباتها الإقليمية. ولهذا قد تتقاطع أبوظبي والرياض في رفض تمدد الحوثيين وتهديد الملاحة، لكنهما لا تتحركان بالضرورة وفق تصور واحد لمستقبل اليمن. السعودية تريد بيئة يمنية لا تهدد أمنها، والإمارات تريد أيضاً بيئة ساحلية لا تسمح بخصوم يهددون شبكة مصالحها البحرية. وهذا الاختلاف قد يصبح مهماً إذا تحولت المعركة من صراع داخلي إلى صراع على الساحل.
إسرائيل أمام اضطراب الاقتصاد والأمن
بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الخطر الأكبر ليس في صاروخ حوثي منفرد، بل في تزامن الضغوط. ضغط على هرمز يعني اضطراباً في الطاقة، وضغط على المندب يعني اضطراباً في التجارة. وإذا اجتمعت الضغوط، تصبح إسرائيل أمام معادلة اقتصادية وأمنية مختلفة: ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين، واضطراب طرق الإمداد، واتساع دائرة المواجهة بعيداً عن حدودها المباشرة. وهنا تصبح الحرب البحرية امتداداً للحرب الاقتصادية.
المعركة التي قد تبدأ قبل أن تُعلن
السيناريو الأخطر ليس أن تستولي إيران على هرمز أو أن يسيطر الحوثي على المندب. السيناريو الأخطر هو نشوء قدرة موزعة على تعطيل الممرات: طهران تضغط في الخليج، والحوثي يمتلك ورقة البحر الأحمر، والخصوم يضطرون إلى إنفاق المزيد لحماية طرقهم. عندها تصبح المضائق نفسها أسلحة استراتيجية. المعادلة النهائية ليست: من يسيطر على هرمز أو المندب؟ بل: من يستطيع أن يجعل المرور فيهما مكلفاً وغير مضمون؟ إذا وصلت المنطقة إلى هذه المرحلة، فلن يكون الحوثي مجرد طرف في الحرب اليمنية، ولن يكون هرمز والمندب مجرد مضيقين جغرافيين؛ بل قد تتحول الخريطة البحرية كلها إلى شبكة ضغط اقتصادي واحدة، تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وتضع السعودية وإسرائيل والتجارة العالمية أمام سيناريو لم تعد كلفته عسكرية فقط، بل اقتصادية عالمية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة