الأردن
منوعات

سوريا بعد التحرر: رحلة استعادة الأمان والكرامة

السبيل١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٤ م1 مشاهدة
سوريا بعد التحرر: رحلة استعادة الأمان والكرامة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل شعرتُ بالأمان في سوريا؟" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لطالما راودتني رغبةٌ في زيارة سوريا، هذا البلد القريب منا جغرافياً ووجدانياً، على الرغم من زيارتي لعشرات الدول البعيدة. اعترفتُ لنفسي بأنني لم أكن أملك الجرأة الكافية للذهاب إليها في السنوات الماضية، إلى أن تبدّل المشهد وبدأت سوريا تخرج من مرحلة الطغيان، بتضحيات جسيمة قدّمها أبناؤها، وبدماء الشهداء الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل الحرية والكرامة. طوال الرحلة، كنت أشعر بصغر حجمي أمام هؤلاء الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم، ومنهم أقارب وأصدقاء عبروا الحدود، وقدّموا ما يستطيعون لكي تخرج سوريا من حكم الاستبداد، ويعيش شعبها حياة أكثر حرية وكرامة وأمناً.

خلال هذه الأيام، شاهدتُ بنفسي بعض ما وصلت إليه سوريا بفضل تلك التضحيات. لا أتحدث هنا عن البنية التحتية أو الواقع الاقتصادي، فهذه ملفات تحتاج إلى وقت طويل حتى تتعافى، وإنما أتحدث عن الحالة النفسية للناس، وعن الشعور بالحرية والسعادة، وعن التغير الواضح عند المقارنة بين ما قبل التحرر وما بعده.

من هنا، ونحن نناقش إعداد دراسة استطلاعية حول آراء الشعب السوري ودرجة رضاه عن الخدمات، بدا لنا أنه من الظلم وعدم المنهجية أن نسأل الناس بطريقة مباشرة وبسيطة: إلى أي مدى أنت راضٍ عن الكهرباء أو الماء أو النظافة أو الشوارع؟ فالإجابة العادلة لا بد أن تكون مرتبطة بسياق المقارنة بين ما قبل هذه المرحلة وما بعدها. لذلك اعتمدنا في تصميم الاستمارة مبدأ القياس المقارن، حتى نفهم حجم التحسن أو التغير كما يراه المواطن السوري نفسه، لا كما نقيسه نحن من خارج التجربة.

وقد وثّقتُ خلال رحلتي مشاهد وملاحظات من درعا ودمشق وإدلب، بصفتي إعلامياً وباحثاً، ومساندًا لبعض جهود المساعدات الإنسانية الخليجية والأمريكية، وقبل كل ذلك بصفتي مواطناً عربياً عادياً يفرح حين يرى الشعب السوري يستعيد شيئاً من حريته، ويبدأ عهداً جديداً بعيداً عن الدكتاتورية والخوف.

أما عن سؤال الأمن في سوريا، فإن أحد أهم معاييره بالنسبة لي هو أن يستطيع الإنسان العادي أن يسير مطمئناً على حياته وماله وأسرته. ورغم ما تشهده البلاد بين فترة وأخرى من اعتداءات إسرائيلية، ومحاولات لزعزعة الأمن من بعض فلول النظام السابق، فإن ما شاهدته على الأرض كان مختلفاً كثيراً عن الصورة التي قد تصل إلى البعض من الخارج. شعرت في الطريق من الأردن إلى سوريا، وعبر درعا ودمشق، وفي مناطق أخرى زرتها، أن الحياة تمضي بصورة طبيعية أكثر مما كنت أتوقع. كان الناس يتحركون، والأسواق تعمل، والطرقات مفتوحة، والوجوه تحمل مزيجاً من التعب والأمل. نعم، هناك تحديات كبيرة، وهناك جراح عميقة، وهناك خدمات تحتاج إلى إصلاح طويل، لكن هناك أيضاً شعور واضح بأن الخوف القديم بدأ يتراجع، وأن الناس يتنفسون بحرية أكبر.

الأمن الذي شعرت به لم يكن فقط أمن الطريق أو الشارع، بل كان أيضاً أمناً مجتمعياً ونفسياً. لم ألمس ذلك الخوف القديم من رجل الأمن أو من الحاجز أو من كلمة تقال في غير مكانها. سمعت الناس يتحدثون وينتقدون ويعبرون عن آرائهم بدرجة من الحرية لم تكن مألوفة في سوريا لعقود طويلة. وهذا في حد ذاته تحول مهم، حتى وإن كانت الطريق ما تزال طويلة.

مبارك للشعب السوري هذه المرحلة الجديدة، ومستبشر بمستقبل أجمل لسوريا، رغم كل التحديات التي لا تزال أمامها. فما رأيته لم يكن بلداً تعافى بالكامل، لكنه بلد يحاول أن ينهض، وشعباً يحاول أن يستعيد صوته وحياته وكرامته. وسأكتب لاحقاً، بتفصيل أكبر، عن بعض المشاهد والتحولات التي لفتت انتباهي خلال هذه الرحلة، وعن سوريا التي يحاول أبناؤها اليوم أن يبنوها من جديد.

شارك الخبر: