الأردن
اقتصاد

سوريا: ممر بديل محتمل لمضيق هرمز لدول الخليج في ظل دعم أمريكي

السبيل١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:٤٠ ص0 مشاهدة
سوريا: ممر بديل محتمل لمضيق هرمز لدول الخليج في ظل دعم أمريكي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل تصبح سوريا ممرا بديلا لـ”هرمز” بالنسبة لدول الخليج؟" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل التوترات المتزايدة حول مضيق هرمز، أحد أكثر ممرات الطاقة خطورة في العالم، تبرز سوريا، بعد عقد ونصف من الحرب والتغيرات السياسية، كفرصة استثنائية لإعادة تشكيل مسارات النفط والتجارة بين الخليج والبحر المتوسط. هذه الفكرة لم تعد مجرد طموح دمشقي، بل حظيت بدعم لافت من واشنطن، حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقريراً لصحيفة «واشنطن بوست» حول تحركات سوريا لتصبح ممراً بديلاً عن هرمز بـ “الرائع”.

تتحرك آلاف الشاحنات يومياً عبر الصحراء السورية، تمهيداً لمشروع خط أنابيب ضخم تقوده شركات عالمية، يمتد من البصرة إلى ميناء بانياس. وقد رصدت صحيفة «واشنطن بوست» كيف تحولت الصحراء السورية إلى طريق لنقل النفط العراقي باتجاه الساحل السوري، في تجربة قد تشكل نواة لمسار أوسع يربط حقول وموانئ الخليج بالبحر المتوسط. وتشير الصحيفة إلى أن نحو 5 آلاف شاحنة محملة بالنفط القادم من الخليج تتحرك ليلاً ونهاراً عبر الصحراء السورية، في مشهد يشبه قافلة طويلة تشق طريقها نحو البحر المتوسط.

بدأت هذه الشاحنات في نيسان/أبريل نقل النفط بين مصافي جنوب العراق وميناء بانياس السوري، في محاولة من مصدري النفط العراقيين لتجاوز مضيق هرمز، خاصة بعد توقف حركة الشحن عبره إثر الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران. وتعتبر هذه الحركة الحالية نموذجاً عملياً للطريقة التي تسعى بها سوريا وحكومتها الجديدة للاستفادة من إعادة تشكيل طرق تدفق الطاقة العالمية.

بعد أكثر من 18 شهراً على سقوط بشار الأسد، تبدو سوريا أمام فرصة للاستفادة من رفع العقوبات الدولية والاضطراب الذي أصاب طرق التجارة والطاقة في المنطقة. وبفضل موقعها المطل على البحر المتوسط، تسعى دمشق في عهد الرئيس أحمد الشرع إلى تقديم سوريا كممر بري يتمتع بقدر نسبي من الاستقرار لنقل الطاقة والبضائع، وبديلاً محتملاً عن مضيق هرمز.

خط أنابيب إلى بانياس

في تموز/يوليو، أعلنت إدارة ترامب دعمها لمشروع خط أنابيب تقوده شركة «شيفرون» لنقل نحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً من البصرة في جنوب العراق إلى بانياس، عبر مسار قريب من الطريق الذي تسلكه حالياً شاحنات النفط عبر الصحراء السورية. وعندما كشفت واشنطن عن المشروع بالتعاون مع مسؤولين سوريين وعراقيين، قال توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، إن المشروع يمكن أن يجعل مضيق هرمز “أمراً ثانوياً” أو “بعد نظر”.

يبلغ طول خط الأنابيب المقترح نحو 1000 ميل، وتقدر تكلفته بنحو 5.7 مليار دولار، ويحتاج إلى عامين ونصف العام على الأقل للبناء. ورغم أن الخط، في حال إنجازه، لن يلغي الحاجة إلى النقل البحري عبر مضيق هرمز بالكامل، إلا أنه سيمنح الدول المصدرة للنفط مساراً إضافياً لتقليل اعتمادها على الممر المائي الاستراتيجي. ويأتي المشروع في وقت دفعت فيه الحرب مع إيران دول الخليج ومستهلكي الطاقة إلى إعادة التفكير في مدى اعتمادهم على مضيق هرمز.

تحديات أمنية واقتصادية

تواجه الفكرة تحديات أمنية واقتصادية كبيرة. ويشير غابرييل ميتشل، المتخصص في شؤون الطاقة والباحث الزائر في صندوق مارشال الألماني، إلى أن تأمين البنية التحتية للخط سيكون “التحدي الأكبر”، نظراً لتعرض المشروع لهجمات محتملة من المسلحين وصعوبة الحصول على التأمين اللازم لاستثمار يمتد لعقود.

من جهته، قال أحمد قبجي، نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط المملوكة للدولة، إن العقد النهائي للمشروع يتوقع توقيعه في أيلول/سبتمبر من تحالف يضم «شيفرون» الأمريكية و«توتال إنيرجي» الفرنسية ومستثمرين سوريين وقطريين. وأضاف أن المجموعة تبحث إجراءات أمنية تشمل استخدام المسيّرات وتقنيات مراقبة متقدمة، مع دعم أمني أمريكي للخط.

ويشير قبجي إلى أن نحو 5 آلاف شاحنة تتحرك حالياً في هذا المسار بين العراق وسوريا من دون حوادث أمنية كبيرة، معتبراً أن نجاح هذا المسار المؤقت يوفر مؤشراً على إمكانية تشغيل خط أنابيب مستقبلي. ولا تتوقف الطموحات السورية عند النفط العراقي؛ فبحسب «واشنطن بوست»، أجرى قبجي اتصالات مع مستثمرين قطريين لبحث إمكانية تمديد خط الأنابيب مستقبلاً وصولاً إلى قطر. ويرى محللون أن المشروع يمكن أن يجذب منتجين خليجيين آخرين، مثل الكويت، الراغبين في تنويع طرق تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز. كما أبدت قطر اهتماماً بإنشاء خط أنابيب آخر عبر سوريا لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى ناقلات موجودة في بانياس.

ويقول محمد أحمد، الخبير الاقتصادي ومحلل الطاقة في شركة «كرم شعار» للاستشارات، إن الكويت والبحرين قد تكونان مهتمتين أيضاً بالارتباط بخط العراق-سوريا لتصدير النفط عبر البحر المتوسط.

البحر الأحمر ليس بديلاً آمناً

لا تبدو الخيارات المنافسة لمضيق هرمز أكثر أمناً بالضرورة. فقد بدأت السعودية، وفق التقرير، بتحويل جزء من حركة النفط نحو البحر الأحمر بعدما أدى الصراع مع إيران إلى إغلاق هرمز، إلا أن جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران تهدد بدورها حركة الملاحة في البحر الأحمر. ويضيف محمد أحمد أن الأزمة الحالية تمثل سابقة غير مألوفة، وأن “المسار الأكثر حيوية للجميع سيكون عبر البحر المتوسط، وليس البحر الأحمر”.

من هنا تبرز أهمية الموقع السوري؛ إذ يمكن للطريق الممتد من العراق عبر الأراضي السورية إلى بانياس أن يوفر منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط، بعيداً عن هرمز والبحر الأحمر في آن واحد.

طموحات تتجاوز النفط

لا تحصر دمشق طموحاتها في قطاع الطاقة. فخلال الأشهر الأخيرة، وقعت سوريا اتفاقيات مع تركيا والسعودية لإعادة تأهيل خط سكة حديد يعود إلى الحقبة العثمانية، بما يمكن أن يربط أوروبا بالبحر الأحمر عبر الأراضي السورية، ويوفر مساراً بديلاً لمضيقي باب المندب وقناة السويس. كما وقعت سوريا والعراق اتفاقيات لتسهيل حركة الشاحنات التي تنقل البضائع من الخليج إلى أوروبا، بما يعزز فكرة تحويل البلاد إلى عقدة لوجستية تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية.

ويشير قبجي، في إشارة إلى العقوبات التي عزلت سوريا عن الشركات الأجنبية منذ بداية الحرب عام 2011، إلى أن البلاد باتت قادرة على استعادة موقعها الجغرافي، مضيفاً أن “كل طاقة العالم يمكن أن تمر عبر سوريا” من خلال خطوط الأنابيب والطرق وغيرها من وسائل النقل والعبور.

تستند هذه الرؤية إلى حقيقة أن سوريا كانت تاريخياً نقطة التقاء بين الشرق والغرب؛ إذ ربطت أسواق دمشق وحلب عبر قرون طرق التجارة الممتدة من البحر الأحمر إلى بحر قزوين، ومن آسيا إلى أوروبا.

جغرافيا واعدة.. وبنية تحتية مدمرة

لكن الطريق إلى تحويل هذه الجغرافيا إلى مركز إقليمي لا يزال طويلاً. فبالقرب من الحدود العراقية، توجد محطة ضخ ضخمة لخط أنابيب عراقي-سوري قديم شُيد في خمسينيات القرن الماضي، لكنها تحولت إلى أنقاض بعدما سيطر عليها تنظيم الدولة ودمرتها الغارات الجوية الأمريكية. وفي الصحراء المحيطة، لا تزال عمليات إزالة الألغام مستمرة، فيما تبقى أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية السورية في حاجة إلى إعادة بناء واستثمارات ضخمة.

وعند حقل «العمر» النفطي على نهر الفرات، قال أحمد الحضر، المسؤول الإقليمي في شركة النفط الوطنية السورية، إن المنشآت النفطية تضررت بشدة خلال سنوات الحرب، وإن الآبار لا تنتج سوى نحو عُشر طاقتها القصوى التي كانت عليها قبل الحرب. كما تفتقر الشركة الحكومية إلى رأس المال والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل القطاع، ما دفع العاملين إلى تفكيك أجزاء من منشآت قديمة وإعادة استخدامها في مشاريع جديدة.

ويؤكد الحضر أن سوريا لا تفتقر إلى الخبرة الفنية، لكنها “تفتقر بشدة إلى الاستثمار والمعدات الأفضل”.

طريق النفط يكشف واقع سوريا

في الوقت نفسه، تكشف حركة الشاحنات الحالية عن الفجوة بين الطموح والواقع. فالشاحنات تعاني من تردي الطرق السورية وكثرة الحفر، فيما أدت كثافة حركة الشاحنات إلى وقوع حوادث متكررة. ويتقاضى سائقو الشاحنات نحو 1800 دولار عن رحلة ذهاب وعودة تستغرق قرابة عشرة أيام بين البصرة وبانياس.

وعند نقطة تفتيش قريبة، كان عنصر أمني سوري يدير حركة السيارات والشاحنات المتجهة في الاتجاهات المختلفة: غرباً نحو البحر المتوسط، وشرقاً نحو العراق والخليج، وشمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو الأردن. ويختصر الرجل التحول الذي شهدته المنطقة بجملة واحدة: “نحن نقف عند ملتقى طرق الشرق الأوسط”.

بالنسبة إلى دمشق، قد تكون هذه الجغرافيا تحديداً أحد أهم الأصول التي يمكن أن تستثمر فيها بعد سنوات الحرب والعزلة. لكن تحويل سوريا من “ملتقى طرق” إلى مركز إقليمي فعلي للطاقة والتجارة سيتطلب أكثر من الموقع الجغرافي؛ فهو يحتاج إلى استقرار أمني طويل الأمد، وبنية تحتية ضخمة، واستثمارات بمليارات الدولارات، وضمانات سياسية واقتصادية تجعل الشركات مستعدة للرهان على مشروع يمتد لعقود.

وفي ظل استمرار أزمة مضيق هرمز، يبدو أن دمشق وجدت فرصة تاريخية لإعادة تقديم نفسها على الخريطة الإقليمية، بينما أعطى ترامب، بتعليقه، إشارة سياسية لافتة إلى أن واشنطن تنظر إلى هذا الدور المحتمل باهتمام متزايد.

شارك الخبر: