الأردن
سياسة

من قصرة إلى النكبة: صمود فلسطيني يثبت أن الأرض تعرف أصحابها

السبيل٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٤ ص0 مشاهدة
من قصرة إلى النكبة: صمود فلسطيني يثبت أن الأرض تعرف أصحابها

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من النكبة إلى قصرة.. الأرض لا تزال تعرف أصحابها" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في صباح يوم حادي عشر، لم تشرق الشمس على منطقة رأس العين في بلدة قصرة شمالي الضفة الغربية كما هو معتاد، فعلى الرغم من صفاء السماء، كان الظل ثقيلاً يخيم على المكان. ثلاثة منازل فلسطينية تقف وحيدة محاطة بدائرة من المستوطنين المسلحين، بينما يحيط الجيش الإسرائيلي بالمكان كجدار صامت. النوافذ مغلقة، والأبواب لا تُفتح إلا بحذر، والأطفال يراقبون من الشقوق الصغيرة عالماً بدا فجأة معاديًا. العائلات الثلاث لم تعد تعرف متى سينتهي الحصار المفروض عليها، فالمستوطنون يتجولون في المحيط منذ أحد عشر يومًا، يجلسون على الحجارة، يشعلون نيرانهم ليلاً، ويضحكون أحيانًا بصوت عالٍ وكأنهم في نزهة. في المقابل، يعلن الجيش المنطقة “عسكرية مغلقة” ويحول أحد المنازل إلى ثكنة عسكرية، حيث يدخل الجنود ويخرجون، بينما يبقى المستوطنون. يقول رئيس البلدية عبد العظيم الوادي بصوت مثقل: “لو أراد الجيش طردهم لفعل. لكنه شريك”.

في هذا المشهد المصغر تتجسد حكاية أكبر بكثير، حكاية بدأت قبل 78 عامًا، حين اجتاحت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية، وأحرقت البيوت، ودفعت مئات الآلاف إلى الطرقات حاملين مفاتيح منازلهم التي ظنوا أنهم سيعودون إليها بعد أيام. كانوا يقولون آنذاك: “اضرب وارحل”. واليوم يقولون بطريقة أخرى: “حاصر وانتظر حتى يرحل”. الوسائل تغيرت، أما الجوهر فبقي كما هو. لم تعد هناك حاجة إلى مجزرة واحدة كبيرة في ليلة واحدة، يكفي أن يحاصر المستوطن المنزل أسابيع، ويمنع الأب من الوصول إلى أرضه، ويخيف الأم على أطفالها، ويجعل الليل طويلاً والصباح أثقل. وشيئًا فشيئًا، يصبح البقاء أقسى من الرحيل. وهذا بالضبط ما يحدث الآن في قصرة، وما حدث قبله في عشرات التجمعات الأخرى.

منذ مطلع هذا العام، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1430 اعتداءً، نتج عنها تهجير 3800 فلسطيني، نصفهم من الأطفال. هم ليسوا ضحايا “أعمال شغب” عشوائية، بل ضحايا سياسة ممنهجة: المستوطن يهاجم، والجيش يحمي، والإدارة الموصوفة بـ”المدنية” تصمت أو تشرعن. هكذا يُعاد إنتاج النكبة بأدوات العصر: البؤر العشوائية التي تتحول إلى مستوطنات، والطرق الالتفافية التي تقطع القرى، والحماية العسكرية التي تحول أي مقاومة إلى “تهديد أمني”.

في رأس العين، تبدو المنازل الثلاثة كأنها جزر صغيرة تقاوم مدًا قادمًا. العائلات ترفض أن تغادر. النساء يخبزن الخبز في الصباح رغم الحصار، والرجال يحاولون إصلاح ما يُخرَّب في الليل، والأطفال يرسمون على الجدران الداخلية صورًا لبيوت أكبر وأوسع. هذا الصمود ليس بطولة أسطورية، بل حياة يومية تُعاش رغم الألم. وهو بالضبط ما يفشل المشروع الاستيطاني في كسره. من النكبة إلى قصرة، تتكرر الحكاية وتتجدد أدواتها. لكن في كل مرة يظهر من يرفض أن يكون الصفحة الأخيرة في كتاب التهجير. المنازل الثلاثة في رأس العين ليست مجرد حجارة محاصرة، بل شهادة حية على أن الأرض لا تزال تعرف أصحابها، وأن الذاكرة الفلسطينية أقوى من كل وسائل الاقتلاع الجديدة.

شارك الخبر: