اقتصاد الوقت: كيف نحسن استغلال مواردنا المحدودة بدلاً من زيادة الإنفاق؟


هذا الخبر بعنوان "اقتصاد الوقت… "ما لا تراه الموازنة في يوم العطلة"" نشر أولاً على موقع الوكيل الإخباري وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أحياناً، تولد الأفكار من خبر عابر، لتفتح آفاقاً جديدة في الذهن. فالعطلة المحتملة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد شأن يتعلق بساعات الدوام، قد تقودنا إلى تساؤل أعمق: هل تكمن المشكلة أحياناً في قلة ما نملك، أم في طريقة استهلاكنا لوقتنا وطاقتنا ومواردنا؟
في الأردن، ندرك جيداً معنى ضيق الطرق بأهلها، وتباطؤ المركبات وكأنها تحمل أثقال المدينة بأكملها. نعرف حجم الوقود الذي يُهدر في الانتظار، والساعات التي تتسرب من أعمارنا بين البيت والعمل. ونرى المدن تتمدد عمرانياً بينما تتسابق البنية التحتية لمواكبة احتياجاتها المتزايدة. ومع محدودية الموارد، لا يعود الأمر مجرد ازدحام مروري، بل يتحول إلى سؤال حول كلفة الحياة اليومية، وقدرة ما نملك على تلبية ما نحتاج.
نظراً لأن النقل العام لا يوفر بديلاً مناسباً للجميع، أصبحت المركبة الخاصة ضرورة للكثير من الأسر. وهنا يبرز تساؤل يستحق التأمل: إذا كان تطوير الطرق يتطلب المال والوقت، فهل يمكننا، بالتوازي، تخفيف الضغط عليها بإعادة تنظيم بعض جوانب الحركة اليومية؟
ربما يكون العمل عن بُعد، بالتناوب، أحد الاحتمالات التي تستحق الدراسة. فليست كل وظيفة مرتبطة بالمكتب، وطبيعة الأعمال ليست متجانسة؛ فهناك مهام تتطلب الحضور الفعلي، وأخرى يمكن إنجازها إلكترونياً دون التأثير على جودة العمل أو مصالح المواطنين. وبين هذين النقيضين، توجد مساحة واسعة للتفكير، بحيث تصبح مرونة المكان أداة لتحسين الإنجاز، لا ذريعة للغياب.
الفكرة الأعمق هنا قد تكون أن الطريق لا يحتاج دائماً إلى مساحة إضافية؛ بل قد يحتاج أحياناً إلى عدد أقل من الرحلات في الساعة ذاتها. والمؤسسة لا تحتاج بالضرورة إلى حضور الجميع في المكان نفسه كل يوم؛ بل قد تحتاج إلى تنظيم أفضل للوقت، وقياس الإنجاز بدلاً من مجرد عد ساعات الحضور.
إذا كانت هذه الفكرة تستحق التجربة، فلماذا لا تُختبر تدريجياً على مدى ثلاث سنوات، في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك؟ يمكن أن تبدأ التجربة بشكل محدود، ثم تتوسع إذا أثبتت النتائج جدواها، استناداً إلى مؤشرات تقيس الإنتاجية، واستهلاك الطاقة، وحركة المرور، وجودة الخدمة، ورضا المواطنين. فليس كل ما يبدو توفيراً يحقق وفراً حقيقياً، وليس كل ما ينجح في مكان يصلح بالضرورة لمكان آخر.
ولا تقتصر الحكاية على الوقود والطرق والمباني. فالوقت الذي يستعيده الإنسان قد يعود إلى أسرته، أو والديه، أو لشأن صحي مؤجل، أو لنشاط اجتماعي واقتصادي. وهذه منافع قد لا تظهر بوضوح في دفاتر الموازنة، لكنها تتجلى في تفاصيل الحياة؛ حيث لا تُقاس قيمة الوقت بما ننجزه فيه وحده، بل أيضاً بما يتيح لنا ألّا نخسر من أجله ما لا يُعوَّض.
ومع ذلك، لا أرى في العمل عن بُعد علاجاً سحرياً لأزمات المرور والعمران، ولا بديلاً عن تطوير النقل العام وصيانة الطرق وحسن التخطيط. إنما أراه احتمالاً ضمن احتمالات، وسؤالاً يضاف إلى أسئلة كثيرة ينبغي أن ترافق إدارة الموارد المحدودة. فالدولة لا تستطيع أن توسع كل طريق بالسرعة التي يتسع بها الطلب، ولا أن تلحق بكل امتداد عمراني دون كلفة. لكن ربما تستطيع، إلى جانب البناء والإنفاق، أن تعيد النظر في بعض العادات التنظيمية التي تجعل الحركة ضرورة حتى حين لا تكون كذلك.
أنا هنا لا أطرح وصفة جاهزة، ولا أتحدث من موقع الخبير الذي يملك الإجابات؛ إنما أتأمل واقعاً نعيشه جميعاً، وأتساءل إن كان في إعادة تنظيم الوقت ما يخفف بعض أثقاله. فالأفكار التي تستحق النقاش لا يشترط أن تأتي مكتملة، بل يكفي أن تفتح نافذة على احتمال لم نحسن اختباره بعد.
حين تضيق الموارد عن ملاحقة الاحتياجات، قد لا يكون السؤال دائماً: كيف نزيد ما نملك؟ بل كيف نحسن استخدامه، ونقلل ما نهدره، ونمنح الوقت فرصة ليصبح مورداً لا عبئاً؟ ربما لا يكون يوم عطلة إضافي هو القضية في جوهرها، بل ما يكشفه من سؤال أكبر: هل نستطيع أن نعيش ونعمل ونتنقل بكلفة أقل، من دون أن تكون حياتنا أقل جودة؟ قد لا نملك الإجابة كاملة، لكن السؤال يستحق أن يبقى مفتوحاً؛ فلعلّ في بعض الأسئلة الصادقة جرعة نافعة، حتى وإن لم تكن دواءً كاملاً.
بقلم رصاص موسى الزول
سياسة
سياسة
ثقافة
اقتصاد