الأردن
سياسة

الانتخابات الفلسطينية المؤجلة: ما وراء قرار التأجيل وتغير قناعات الناخبين

رؤيا١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:١٦ م0 مشاهدة
الانتخابات الفلسطينية المؤجلة: ما وراء قرار التأجيل وتغير قناعات الناخبين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "آخر أخبار الأردن المحلية ومستجدات العالم العربي والدولي - رؤيا الإخباري" نشر أولاً على موقع رؤيا وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد يُمكن تأجيل الانتخابات الفلسطينية بقرار سياسي، لكن التحولات في قناعات وتطلعات الناس لا يمكن تأجيلها. فالمجتمع لا ينتظر موعد الانتخابات لإعادة النظر في مواقفه أو طرح أسئلته حول أداء الأحزاب والقيادات وما تحقق من وعود. هذه إحدى الرسائل الهامة التي يكشفها استطلاع الرأي الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، والذي تزامن مع قرار تأجيل الانتخابات التشريعية من 28 نوفمبر المقبل إلى سبتمبر من العام القادم.

ورغم تأجيل الانتخابات، إلا أنها فتحت الباب لنقاش سياسي واجتماعي واسع، وأعادت طرح أسئلة معلقة حول التمثيل السياسي، الثقة بالمؤسسات، أداء الأحزاب، وقدرة القيادات على التعامل مع الواقع الفلسطيني المعقد. وأظهر الاستطلاع، الذي أجري قبل قرار التأجيل، تأييد 53% لإجراء الانتخابات في موعدها، بينما فضل 21% تأجيلاً قصيرًا. هذه الأرقام تستحق التوقف عندها، خاصة في ظل الظروف السياسية والأمنية والإنسانية التي تمر بها الأراضي الفلسطينية.

صحيح أن إجراء الانتخابات يواجه تحديات حقيقية، أبرزها الاحتلال وإجراءاته في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وآثار الحرب من دمار ونزوح وصعوبات لوجستية. لكن هذه التحديات لا تلغي الأسئلة المتعلقة بتجديد الشرعية السياسية وحق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم. وتأجيل الانتخابات لا يعني بقاء المشهد السياسي على حاله، فالسنوات التي تمر دون انتخابات ليست محايدة سياسياً؛ تتشكل خلالها مواقف جديدة، تتغير الأولويات، وتتراجع ثقة بعض المواطنين بقوى سياسية معينة لصالح خيارات وشخصيات أخرى.

تبرز هنا أهمية نتائج أخرى للاستطلاع: 33% من المشاركين لم يؤيدوا أي خيارات فصائلية، وارتفعت النسبة في الضفة الغربية إلى 48%. كما أبدى 56% استعدادهم للتصويت لقائمة مستقلة جديدة تضم شخصيات مهنية واقتصادية ووطنية. هذه النتائج لا تعني تخلي الفلسطينيين عن أحزابهم، لكنها تطرح تساؤلات جدية حول مدى الرضا عن المشهد السياسي القائم واستعداد المواطنين للنظر في بدائل جديدة.

السؤال لا يتعلق بمصير حزب بعينه، بل بقدرة القوى السياسية على إدراك ما يجري خارج اجتماعاتها. فالمواطن الذي تتغير أولوياته وتزداد أعباؤه المعيشية لا يمكن افتراض استمرار مواقفه السياسية لمجرد تأجيل الانتخابات. ويبرز حضور أسماء من خارج الأطر الحزبية التقليدية، مثل رجل الأعمال بشار المصري، كاختبار لمستويات التعرف عليه وتفضيلات الناخبين. هذا الحضور يطرح سؤالاً حول استعداد الجمهور لمنح الخبرات الاقتصادية والمهنية مساحة في العمل العام.

الخطأ الأكبر في قراءة هذه النتائج هو الانشغال بالمنافسة بين الأسماء وإغفال ما تكشفه عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة. فالأسماء تتغير، لكن القضايا التي تشغل الناس تظل قائمة: البطالة، الأزمة المالية، الخدمات العامة، إعادة إعمار غزة، وحماية الأرض. ورغم الظروف الاستثنائية التي عملت فيها الأحزاب الفلسطينية، فإن الاعتراف بهذه الظروف لا يعفيها من مراجعة أدائها أو يجعل النقد الشعبي أمراً يمكن تجاوزه.

التأجيل قد يمنح القوى السياسية وقتاً إضافياً للاستعداد، لكنه لا يضمن استعادة ثقة المواطنين. فالوقت يمكن أن يكون فرصة للمراجعة والتجديد، أو عبئاً إضافياً إذا استمرت السياسات والممارسات نفسها. الأشهر المقبلة ليست مجرد انتظار لموعد انتخابي جديد، بل فترة قد تشهد تغيراً في اتجاهات الرأي العام ونظرة المواطنين إلى الأحزاب والشخصيات والقوائم المختلفة. ولن يكون حسم هذه الاتجاهات ممكناً إلا بمتابعة الرأي العام وإتاحة المجال للمواطنين للتعبير عن خياراتهم بحرية.

إذا كانت الانتخابات وسيلة لتجديد المؤسسات والشرعيات، فإن أهميتها تمتد إلى ما تفرضه من مساءلة للسلطة والمعارضة، وما تتيحه من منافسة بين البرامج والأفكار. لهذا، لا ينبغي قراءة تأجيل الانتخابات كتأجيل للنقاش حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. فالأسئلة التي طرحتها الاستعدادات الانتخابية لم تختف، والمواطنون الذين أعادوا التفكير في خياراتهم لن يعودوا بالضرورة إلى مواقفهم السابقة لمجرد تغير موعد التصويت.

يمكن تأجيل الانتخابات، لكن لا يمكن مطالبة الناس بتأجيل أسئلتهم. ويمكن تغيير موعد صندوق الاقتراع، لكن لا يمكن افتراض أن القناعات التي سيحملها المواطنون إليه ستبقى كما كانت. لعل هذه الحقيقة هي الأهم: الانتخابات توقفت عند موعد جديد، أما المجتمع فلم يتوقف عن التغير.

شارك الخبر: