الأردن
ثقافة

هندسة الانتماء: كيف يبني الوعي الوطني جسوراً من الحقيقة والتنوع؟

الوكيل الإخباري١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ ص0 مشاهدة
هندسة الانتماء: كيف يبني الوعي الوطني جسوراً من الحقيقة والتنوع؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هندسة الانتماء… حين لا يخاف الوعي من الحقيقة" نشر أولاً على موقع الوكيل الإخباري وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتشكل الأوطان من تفاعل التاريخ، وتراكم التجارب، وتلاقي الإرادات. وتترسخ وحدتها حين تجد في تنوع أبنائها طاقة للبناء لا ذريعة للتنازع. فالمجتمعات ليست كياناً ذا صوت واحد، بل هي روافد تتقاطع، وذاكرات تتجاور، وأجيال تضيف إلى ما أنجزه السابقون. تمنح الجذور الإنسان امتداده، والتاريخ يفسر مساراته، أما الانتماء الواعي فيمنحه القدرة على فهم واقعه والمشاركة في صناعة مستقبله.

تعدد الجذور ظاهرة إنسانية عرفتها مجتمعات العالم، حيث تتجاور الأصول والثقافات، وتتداخل مسارات الهجرة والمصاهرة والمواطنة والتجنس. وقد يتحول هذا التنوع إلى مصدر ثراء وتسارع في التقدم، حين تنجح المؤسسات في تحويل الاختلاف إلى تكامل، وتضمن العدالة تكافؤ الفرص، ويصبح القانون مرجعية مشتركة للجميع. فالتنوع يفتح أبواب الإمكانات، لكن العدل وحسن الإدارة هما ما يحول هذه الإمكانات إلى منجز. الاعتزاز بالجذور حق إنساني، واحترام تاريخ المجتمع الذي نعيش فيه مسؤولية أخلاقية ووطنية.

يستطيع الإنسان أن يعتز بأصوله ويحفظ ذاكرته، وفي الوقت ذاته يقدر تاريخ المكان الذي يعيش فيه، ويحترم تجارب أجياله، ويسهم في حاضره ومستقبله. فلا تعارض بين الوفاء للجذور والوفاء للوطن، ما دام الاعتزاز بالأصل لا يتحول إلى انتقاص من الآخرين، وما دامت الذاكرة جسراً للفهم لا جداراً للعزلة.

وتقدم المصاهرات في العائلة الهاشمية، كما في أسر ومجتمعات كثيرة، مثالاً على تلاقي أصول وثقافات متعددة في إطار الروابط الإنسانية. وهي تذكّرنا بأن اختلاف المنابت لا يمنع التقارب، ولا ينتقص من وحدة الأسرة أو المجتمع. فكما تجمع المودة بين خلفيات متنوعة، تجمع المواطنة أبناء الوطن على أساس الحقوق والواجبات، لا تشابه الجذور.

في الأردن، يكتسب هذا المعنى بعداً وطنياً واضحاً. ففي رسالته إلى الملك عبدالله الثاني بتاريخ السادس والعشرين من كانون الثاني عام 1999، وصف الملك الحسين بن طلال الأردنيين بأنهم من "أبناء أسرتنا الأردنية الواحدة من شتى المنابت والأصول". وهذه العبارة تختصر رؤية وطنية تجمع تعدد المنابت في إطار الأسرة الأردنية الواحدة. وقد تشكل الأردن الحديث بإسهامات أجيال متعاقبة، تنوعت خبراتها وأدوارها، وأسهمت في بناء مؤسساته وتعليمه واقتصاده وإدارته ومجتمعه. ومن الإنصاف للتاريخ أن نقرأ هذا البناء بوصفه حصيلة تراكم وطني مشترك، لا منجزاً يحتكره أصل أو جماعة أو مرحلة. فالاعتراف بإسهام فئة لا ينتقص من إسهامات سواها، والإنصاف يقتضي أن نرى الصورة كاملة، لا أن نقتطع من التاريخ ما يخدم أحكامنا المسبقة.

لكن التنوع وحده لا يصنع التقدم، كما أن وحدة المجتمع لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها. فكلاهما يحتاج إلى عدالة تترجم المبادئ إلى واقع، ومؤسسات تحمي الحقوق، وفرص تتيح للكفاءة أن تتقدم، وقانون يمنع الامتياز غير المستحق. وحين تتحول الجذور إلى معيار للتفاضل، يصبح الاختلاف عبئاً؛ وحين تحكم العلاقة بين الناس المواطنة العادلة، يصبح التنوع رصيداً للمجتمع كله.

وهنا يكتسب الدستور معناه العملي. فالمادة السادسة من الدستور الأردني تقرر أن الأردنيين أمام القانون سواء، ولا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين. كما تنص على أن الدفاع عن الوطن وأرضه ووحدة شعبه والحفاظ على السلم الاجتماعي واجب مقدس، وتؤكد تكافؤ الفرص لجميع الأردنيين ضمن حدود إمكانيات الدولة. وتنص الفقرة السابعة من المادة ذاتها على تعزيز قيم المواطنة والتسامح وسيادة القانون. هذه الأحكام تضع أساساً واضحاً للعلاقة بين المواطن والدولة: مساواة أمام القانون، وحقوق تقابلها واجبات، ومسؤولية مشتركة عن الوطن.

ومن هذا الأساس تنطلق دعوتنا إلى أن يبقى اختلاف الأصول بعيداً عن التمييز أو الانتقاص؛ فالمواطنة لا تتطلب تشابهاً في الجذور، بل التزاماً مشتركاً بالقانون، واحتراماً متبادلاً للكرامة، ومشاركة في حماية المصلحة العامة. وفي زمن التواصل الاجتماعي، اتسعت مساحة التعبير حتى أصبح كل إنسان قادراً على نشر رأيه والوصول إلى الآخرين، لكن اتساع المنابر لا يعني بالضرورة اتساع المعرفة أو دقة الفهم. تختلف التجارب والمرجعيات وطرائق القراءة، وقد تُحمَّل عبارة واحدة أكثر مما تحتمل، إذا اقتُطعت من سياقها أو قُرئت بعيداً عن مقصدها. لذلك تقتضي العدالة أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نقرأ الكلام في سياقه، وألا نجعل اختلاف الرأي دليلاً تلقائياً على سوء القصد.

وفي المقابل، فإن التاريخ الوطني لأي إنسان يستحق الاحترام، لكنه لا يجعل كل ما يقوله فوق النقد. فالإنصاف لا يعني إدانة مسبقة، كما أن احترام التاريخ لا يعني منح حصانة دائمة. نزن الكلام بمضمونه وسياقه وأثره، وننتقد الفكرة من دون أن نصادر كرامة صاحبها. فالمجتمع الذي يقبل النقد المسؤول يملك فرصة التصحيح، أما المجتمع الذي يحوّل كل اختلاف إلى معركة انتماء، فيستنزف طاقته في الخصومات بدلاً من توجيهها إلى البناء. وتبقى الحياة المشتركة، بما فيها من عمل وجوار وصداقة ومصاهرة، مجالاً لتصحيح الصور المسبقة واكتشاف ما لا تكشفه الكلمات العابرة. لكنها لا تؤدي هذه الوظيفة تلقائياً؛ إذ تحتاج إلى عدل في التعامل، ووعي في الحوار، وحدود واضحة تمنع التحريض والاعتداء على حقوق الآخرين. فالتعايش لا يعني أن نتطابق في أفكارنا أو ذاكرتنا، بل أن نختلف من دون أن ننتقص من إنسانية بعضنا أو حقوق بعضنا.

الانتماء الواعي لا يخاف من الحقيقة؛ لأن المجتمع الذي يعجز عن قراءة تاريخه قد يجد نفسه يعيد إنتاج أخطائه بالأسباب ذاتها. وقراءة التاريخ بإنصاف لا تعني انتقاء ما يوافقنا، ولا إنكار ما أسهم به الآخرون، ولا تحويل الماضي إلى محكمة دائمة للحاضر. إنها تعني أن نفهم الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه، ونقدر ما بذلته الأجيال، ونتعلم من مواطن القوة والخلل، ثم نمضي إلى مستقبل أكثر عدلاً واتساعاً. الجذور تفسر التنوع، والتاريخ يضيء المسارات، والقانون ينظم الحقوق والواجبات، والمواطنة تجمعنا في إطار واحد، وتبقى كرامة الإنسان القيمة التي ينبغي أن تحكم علاقتنا جميعاً. فالوطن لا تضعفه جذور أبنائه المتعددة، بل يضعفه حين تتحول هذه الجذور إلى معايير للتفاضل؛ ولا تقوى وحدته بإلغاء الاختلاف، بل بعدل يحفظ الكرامة، ووعي ينصف التاريخ، وحكمة تهذب الحوار. وحين تتسع المواطنة للجميع، يصبح التنوع ثروة لا عبئاً، والاختلاف طاقة لا خصومة، والانتماء شراكة في بناء المستقبل، لا منافسة على امتلاك الماضي.

شارك الخبر: