الأردن
ثقافة

وهم المعرفة في عصر المعلومات: عندما لا يعرف الإنسان أنه لا يعلم

السبيل٢١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:١٣ ص2 مشاهدة
وهم المعرفة في عصر المعلومات: عندما لا يعرف الإنسان أنه لا يعلم

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لا يعرف أنه لا يعلم" نشر أولاً على موقع السبيل وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُعد الاعتقاد بأن قلة المعرفة هي المشكلة الأساسية أمراً ساذجاً، فليست المشكلة دائماً فيمن لا يعلم؛ إذ قد يكون الجهل قابلاً للتصحيح، بل فيمن يفتقر لإدراك جهله بينما يعتقد أنه يحيط بكل شيء. تبرز هذه المفارقة بوضوح في عصر وفرة المعلومات الذي نعيش فيه، والذي لا يعني بالضرورة عصر المعرفة الصادقة والدقيقة. وكما أشار أحد أساتذة مادة الاتصال في الجامعة، فإن الإنسان المعاصر يتلقى في يوم واحد حجماً من المعلومات يتجاوز ما كان يحصل عليه إنسان العصور الوسطى طوال حياته. يرى المواطن اليوم الكثير ويسمع الكثير، لكنه قد يغفل عن حقيقة ما يدور خلف الكواليس، متعاملاً مع ما يصل عبر شاشة هاتفه باعتباره الحقيقة المطلقة ليصدر أحكامه ويخوض معاركه دون طرح السؤال الأهم: هل أعرف حقاً؟

أدت وفرة المعلومات إلى إغراق المستخدمين بالأخبار والتحليلات عبر الهواتف الذكية في دقائق معدودة، مما يتيح لكل شخص إيجاد ما يدعم رأيه حتى وإن بني على معلومات ناقصة أو مضللة. ويلجأ الكثيرون للهروب من القضايا الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة، مفضلين مهاجمة أعراض المشكلة بدلاً من مواجهتها، كأن يُنتقد موظف صغير على خطأ ظاهر متجاوزين المنظومة التي أنتجت ذلك الخطأ، أو يُكتفى بالغضب من منشور عابر على وسائل التواصل دون الالتفات إلى الأسباب الحقيقية. وتتحول النقاشات العامة بذلك إلى معارك حول القشور بينما تغيب القضايا الجوهرية عن المساءلة، وغالباً ما يتم اختيار الحلقة الأضعف لتوجيه النقد ورفع الصوت عليها بدلاً من البحث الجاد عن المسؤول الحقيقي ومن يملك القرار.

تنعكس هذه الحالة داخل المجتمعات في شكل غريب من الإنكار والهروب من الحقائق التي تزعجنا لصالح الروايات التي تريحنا، حيث يساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في حبس الأفراد داخل دوائر مغلقة تعزز قناعاتهم وتصور كل خلاف على أنه مؤامرة. وحين يعجز الأفراد عن معالجة أصل المشكلة أو مواجهة المسؤولية الحقيقية، يوجهون غضبهم نحو الطرف الأضعف، غير أن تراكم الظلم والفساد واللامبالاة يولد في النهاية حالة احتقان عالي المستوى لا يمكن احتواؤها بالبيانات أو حملات العلاقات العامة. من هنا، يصبح لزاماً التمييز بين النقد الحقيقي والتشهير، وبين حرية التعبير وتصفية الحسابات، وإدراك أن الاعتراف بعدم المعرفة وقول «لا أدري» يمثلان شجاعة حقيقية في مواجهة الأفكار الجاهزة وقبل الشروع في محاكمة الآخرين.

شارك الخبر: